مع ظهور الأزمات الإقتصادية وتفشيها في العالم بدأ الحديث عن ظاهرة الريادة كحل لمعظم الأزمات الإقتصادية، وكأنها الترياق السحري الذي بمجرد أن يتجرعه العالم ستزول مشاكله وتختفي، وتعتبر الريادة بالرغم من أقدميتها أحد أهم المحاور الرئيسية في العالم التي تساعد في دفع عجلة النمو الإقتصادي وذلك لدورها المهم في استغلال الموارد والمصادر والأدوات المتاحة و تطبيق التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج والتشغيل والإبتكار .
إن الوضع الإقتصادي والمالي الصحيح لأي دولة في العالم هو أن تعتمد على مواردها ومصادرها الذاتية لتسيير شؤونها المالية وتطوير وتنمية الإقتصاد، لما في ذلك من أهمية في تدعيم الإستقلال السياسي. ولكن الإقتصاد في فلسطين يتميز بخصوصيته التي تختلف عن باقي الدول الأخرى لأنه يفتقر إلى استراتيجية التحكم الذاتي، لأنه لم يكن يوما تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة بالرغم من وجود العديد من اتفاقات السلام، وانعدام الإستقرار الأمني يؤدي إلى عدم وجود استقرار اقتصادي واجتماعي، حيث أن الإستقرار في فلسطين مرتبط بشكل رئيسي باسرائيل ومقاييسها الأمنية والإقتصادية، والتي تشكل عقبة أساسية في وجه آليات التخطيط والتنمية الفلسطينية.
الإنتكاسات المتكررة في الإقتصاد الفلسطيني أدت إلى تقليص قدرته على استيعاب الموارد البشرية التي تنهال سنويا" على سوق العمل سواء في القطاع العام أو الخاص، وحسب إحصاءات فلسطينية فإن نسبة مشاركة الشباب الرياديين تبلغ 14.2% للشباب أما الشابات فتبلغ 6%، والصعوبات السياسية والإقتصادية دفعت بالعديد من الخريجين إلى تفضيل الوظائف المستقرة على بناء المشاريع الخاصة.
بدء عدد النساء اللواتي يملكن ويدرن مشاريع خاصة بالتزايد في معظم أنحاء العالم، إن الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية الصعبة التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني دفع المرأة الفلسطينية إلى التفكير ببناء مشروعها الخاص لزيادة دخل العائلة وخصوصا" أنها أصبحت في العديد من الأسر الشريك أو المعيل الأساسي.
المهارة والمعرفة والقدرة على تحمل المخاطرة المدروسة و المبادرة والانتباه للفرص واقتناصها والإصرار والمثابرة والإلتزام بالعمل والمتابعة والبحث عن المعلومات اللازمة للعمل والتخطيط المنظم والإقناع واستخدام استراتيجيات التأثير تعد من أهم صفات الريادة التي من خلالها تستطيع المرأة الإنخراط في عالم الأعمال، والمرأة الريادية هي التي تملك الجرأة الكافية لمواجهة التحديات التي تواجهها وتبتكر في الأفكار وتحولها إلى واقع ومشاريع قيد التنفيذ لتلبية احتياجاتها وتحقيق استقلاليتها الإقتصادية. و في فلسطين، تواجه المرأة الريادية قيود ومشاكل وتحديات جمة ومن أهم هذه المعوقات:
• الظروف السياسية والأمنية
الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة الناجمة عن وجود الإحتلال الإسرائيلي يعد العائق الأكبر أمام الرياديين والرياديات في فلسطين على حد سواء، حيث أن القيود التي تفرضها اسرائيل على السوق والحواجز المغروسة بين المدن الفلسطينية تحد من حركة البضائع والمواد الخام وتؤدي إلى انخفاض في العمليات التجارية، وتحد من التوسع في الأعمال وتزيد من ظروف المخاطرة مما يؤدي إلى وءد الأفكار الريادية قبل ولادتها.
• الحواجز الإجتماعية والثقافية
المرأة الفلسطينية تلعب العديد من الأدوار في آن واحد، فتارة نراها الأم التي تعتني بأولادها وتارة الزوجة التي يجب أن توفي بكل واجباتها والتزاماتها أمام زوجها وتارة أخرى الموظفة التي يجب أن تقدم أفضل ما لديها لتنافس الرجل أمام إدارتها، ووجود كل هذه الإلتزامات الملقاة على عاتقها تقف عائق أمام نجاحها في عالم الأعمال، فالقليل من النساء لديهن القدرة على إدارة بيوتهن وأعمالهن بشكل فعال، حيث أن فطرة المرأة تجعلها تضع مسؤولياتها تجاه عائلتها على سلم أولوياتها.
• المخاطر التسويقية
صغر حجم السوق الفلسطينية والمنافسة الشديدة بين التجار وإغراق السوق بالبضائع الإسرائيلية، والحواجز الإسرائية بين المدن والقيود المفروضة على حركة البضائع في الداخل والخارج وقلة خبرة المرأة في السوق وظروفه المتغيرة والقيود الأجتماعية المفروضة على حركة المرأة تجعل المهام التسويقية من أصعب المهام التي تؤرق المرأة الريادية صاحبة الأعمال، والتي تدفعها إلى اللجوء لوسيط لتسيير شؤونها التسويقية.
• مصادر التمويل والإقراض
إيجاد مصدر لرأس المال يعد السبب الرئيسي لإعاقة بناء أي مشروع أو عمل ريادي، وتتمثل مصادر التمويل في فلسطين بمؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة، والبنوك التقليدية، ومصادر تمويل أخرى. وتتعرقل جهود الرياديات للحصول على تمويل لأفكارهم بشكل مستمر بالظروف السياسية والأمنية غير المستقرة التي تؤثر على التزامهم أمام الجهات المقرضة أو الممولة. كما أن شح المعلومات المتوفرة أمامهم عن مؤسسات التمويل والإقراض وشروطها وحيثياتها، بالإضافة إلى التردد في دعم المرأة الريادية من قبل البنوك والمؤسسات المقرضة لقلة ثقتهم بقدراتها وكفاءتها، دفع بالعديد من الرياديات إلى التخلي عن أفكارهم ومشاريعهم.
• محدودية برامج التدريب والتأهيل في مواضيع إدارة الأعمال والمشاريع والريادة
وجود الرغبة والدافع ادى المراة الريادية لا تكفي حتى تكون ناجحة وريادية في عالم الأعمال، فلا توجد أي برامج جديرة بالذكر سواء في المؤسسات التعليمية (المدارس، الجامعات، ...) أو مراكز دعم الأعمال تؤهل النساء وتدربهم على الريادة أوتشجعهم على التفكير بالبدء في مشروع. وحتى تنطلق الريادية في عالم الأعمال لا بد من وجود خلفية لديها عن الحقائق الأساسية في الإقتصاد وفرص العمل المتاحة و إجادة المهارات الأساسية التي تمكنها من النجاح و تعلمها لغة إدارة الأعمال بحيث تنظر للمشاكل من وجهة نظر أصحاب المشاريع.
تساهم المشاريع الريادية في إعادة توزيع ثروات الدول بشكل أكثر فاعلية، وتقلل من مستويات الفقر والبطالة، كما تساهم في خلق وظائف جديدة. وتزيد من مرونة الإنتاج التي تساعد في التأقلم مع الظروف الإقتصادية المتغيرة لأنها تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعد أكثر مرونة من المشاريع الكبيرة والضخمة. الإرتقاء بالأعمال والمبادرات والمشاريع الريادية يحتاج إلى احتضان ثقافة الريادية من قبل جميع القطاعات الحكومية وغير الحكومية، وتوحيد الجهود والعمل على المحاور التالية :
• المناهج التعليمية
إدخال مساقات الريادة في المناهج وتطبيقها وربطها مع الواقع في المدارس (الإبتدائية،الإعدادية و الثانوية) والجامعات وتأسيس دوائر الريادة والإرشاد لتدريب الطلاب على مهارات الريادة والبحث والتطوير إلى جانب المتابعة المستمرة لمشاريعهم وتشبيكهم مع رجال وسيدات أعمال في سوق العمل.
• القوانين والتشريعات
النظام الإقتصادي والإجتماعي ووجود البنية التحتية المناسبة وتوفير المناخ الإستثماري الملائم، وتوفر القوانين والتشريعات وتعديلها بحيث تدعم المشروعات الصغيرة ذات رؤوس الأموال الصغيرة التي ينشئها الشباب مثل الإعفاءات الضريبية وتسهيل الإجراءات التأسيسية والتعامل مع الجهات الرسمية، تلعب دورا" مهما" في مشاريع الريادة وزيادتها مما ينعكس بشكل إيجابي على التنمية الإقتصادية وخصوصا" أن الوضع السياسي لا يشجع على الإستثمار.
• وسائل الإعلام
على وسائل الإعلام أن تتبنى ترويج فكرة الريادة من خلال حملات التوعية التي تركز على أهمية المشاريع الريادية والتعريف بمصادر التمويل ومجالات القروض والتمويل الصغير التي تساهم في إنشائها، وأن تنشر تجارب الآخرين في هذا المجال، وأن ترسخ ضرورة مشاركة ودعم المرأة بهذه المشاريع.
• الوصول لمصادر التمويل والإقراض
يجب أن تكون ظروف التمويل والإقراض متلائمة مع الظروف والأوضاع التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، وأن تسعى هذه المؤسسات لإيجاد آليات تسهل على المقترضين إيجاد مصدر تمويلي لعمل مشاريع مدرة للدخل، وتقليص الشروط الواجب تحقيقها للحصول على القرض مع وجود تسهيلات للمرأة الريادية. وتشجيع البنوك وصانعي السياسات المالية على وضع برامج لتمويل المشاريع الريادية للنساء.
• منح حوافز للرياديات
يعد الدعم الأسري من أهم الأمور التي تساهم في اكتساب المرأة الريادية الثقة اللازمة للمباشرة ببناء مشروعها، كما أن تحفيز المرأة للمخاطرة والإتجاه نحو عالم الأعمال هو مسؤولية المجتمع ككل، حيث أن وجود دعم من الجهات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات الإقراض وتوفير بيئة ملائمة للإستثمار من شأنه أن يساهم في إقبال الرياديات على إنشاء مشاريعهن.
وهناك العديد من المؤسسات التي تقوم بدعم المرأة الريادية في عالم الأعمال في فلسطين، ومن أهمها منتدى سيدات الأعمال الذي قام بالعديد من المبادرات الجادة لزيادة مشاركة المرأة في الإقتصاد، كإنشاء مركز تطوير الأعمال الذي يقدم العديد من الخدمات للمرأة الريادية كالخدمات والإستشارات القانونية والتسويقية وتوفير المعلومات المساندة للوصول لمصادر التمويل والإقراض وتوفير فرص التدريب والدعم في المجالات الإدارية والمالية والفنية وتوفير مكتبة تشمل العديد من الأبحاث والدراسات والمراجع المسموعة وغير المسموعة في مجال الأعمال. كما يقوم المنتدى بتشبيك السيدات الرياديات صاحبات الأعمال مع سيدات أعمال بالخارج .
ولكن يبقى السؤال هل دعم الريادة في مجتمعاتنا وخصوصا المرأة هو مجرد شعار ننادي به لنبرهن على تقدمنا وحضارتنا، أم أننا بدأنا نؤمن بأهميته في تحقيق الإستقلال الإقتصادي والسياسي على حد سواء.


